بيئتي BEAATY

أول موقع اخباري جزائري بيئي " نحو إعلام بيئي هادف "

شريط الأخبار

الأحد، 25 يناير 2026

المواد البيرفلورية والبولي فلورية ما تزال في النقاط العمياء عربيًا… بينما يتسارع العالم

لم يعد الفارق بين البحث العلمي في العالم والمنطقة العربية مسألة عدد دراسات أو أوراق منشورة، بل أصبح مسألة سرعة نمو سنوية واضحة يمكن قياسها بالأرقام. ففي ملف الملوثات الناشئة، وعلى رأسها مركبات  PFAS، يكشف المسار العالمي عن تسارع لافت خلال السنوات الأخيرة، بينما يبقى المسار العربي شبه ساكن، ما يجعل الفجوة تتسع عامًا بعد عام.



تشير بيانات النشر العلمي إلى أن عدد الدراسات العالمية عن PFAS شهد قفزة حادة منذ عام 2018. فخلال الفترة بين 2018 و2025، ارتفع عدد الوثائق المنشورة بنسبة تجاوزت 1100 %، وهو نمو يعكس تحوّل هذا الملف من موضوع بحثي محدود إلى قضية عالمية متعددة الأبعاد. حتى في السنوات القريبة، استمر هذا التسارع؛ إذ ارتفع عدد الدراسات بنسبة تقارب 37 % بين عامي 2024 و2025 فقط، وبنحو 49 % خلال الفترة 2023–2025، وهي معدلات لا تُسجَّل عادة إلا في مجالات بحثية عالية الأولوية عالميًا.

وإذا عدنا خطوة إلى الوراء، يتضح أن النمو لم يكن مؤقتًا. فمنذ عام 2019 وحتى 2025، ارتفع عدد الأبحاث المنشورة بنسبة تقارب 650 %، بينما تجاوزت نسبة الزيادة 400 % عند المقارنة بين عامي 2020 و2025. وحتى خلال الفترة 2021–2025 وحدها، سجّل الإنتاج العلمي العالمي عن PFAS زيادة تقارب 235 %. هذه الأرقام تعكس مسارًا تراكميًا سريعًا، حيث لا يقتصر التقدم على إضافة دراسات جديدة، بل على تضاعف المعرفة بوتيرة سنوية متسارعة.

هذا النمو البحثي السريع انعكس مباشرة على المشهد العلمي الدولي من خلال المؤتمرات المتخصصة. فمنذ عام 2017، عُقد أكثر من 55 مؤتمرًا دوليًا مخصصًا لمركبات  PFAS، بعد أن كان عددها محدودًا جدًا قبل عام 2020. في السنوات الأخيرة، استقر المتوسط العالمي عند نحو 9-10  مؤتمرات متخصصة سنويًا، مع توقع عقد ما بين 10-12 مؤتمرًا إضافيًا خلال عام 2026 وحده، في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا. هذا التوازي بين ارتفاع عدد الدراسات وارتفاع عدد المؤتمرات يعكس ديناميكية معرفية متكاملة، حيث يغذي البحث النقاش العلمي، ويقود النقاش بدوره إلى مزيد من البحث والتشريع.



في المقابل، يبدو المسار العربي خارج هذا الإيقاع المتسارع. فحتى اليوم، لا يتجاوز عدد الدراسات العربية المنشورة في مجال PFAS  13 دراسة فقط، دون تسجيل أي نسبة نمو سنوية ذات دلالة إحصائية. وبينما يحقق العالم زيادات سنوية تصل الى 30% ، يبقى الإسهام العربي شبه ثابت، ما يعني أن الفجوة لا تُقاس بالفارق الحالي فقط، بل بسرعة اتساعها في المستقبل القريب.

الخطورة هنا أن سرعة النمو العالمية تمنح الدول المنتجة للمعرفة قدرة على تحديد أولويات البحث، وصياغة الأطر التنظيمية، ووضع الحدود والمعايير التي ستصبح لاحقًا مرجعًا دوليًا. أما التأخر في مواكبة هذا النمو، فيجعل المنطقة العربية في موقع التلقي لا المشاركة، وفي موقع التكيّف لا التأثير.ومع ذلك، فإن إدراك فجوة السرعة يمثل بحد ذاته خطوة أولى نحو تصحيح المسار. فاللحاق بالعالم لا يعني مضاعفة عدد الدراسات فجأة، بل رفع معدل النمو السنوي العربي تدريجيًا عبر العمل الإقليمي المنظم، وبناء مسارات بحثية مترابطة قادرة على تحقيق تراكم معرفي حقيقي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.

في هذا الإطار، يبرز الدور الحيوي للشبكة العربية للتصدي للملوثات البيئية الناشئة كمنصة قادرة على تحويل الجمود الحالي إلى حركة علمية جماعية أسرع. فالشبكة يمكن أن تكون أداة لتسريع النمو البحثي العربي، عبر توحيد الجهود، وتوجيهها نحو أولويات واضحة، وربط البحث العلمي بالسياسات العامة والاحتياجات الإقليمية. كما يمكن لها أن تكسر حالة الغياب العربي عن المؤتمرات المتخصصة، وتؤسس لحضور إقليمي منظم يواكب هذا التسارع العالمي.

العالم لا يتقدم فقط لأنه ينتج عددًا أكبر من الدراسات، بل لأنه يرفع معدل نمو المعرفة عامًا بعد عام. والمنطقة العربية، إذا أرادت أن تخرج من النقاط العمياء في ملف PFAS والملوثات الناشئة، تحتاج قبل كل شيء إلى تسريع إيقاعها العلمي. فالمسألة لم تعد مسألة كم نكتب، بل كم ننمو، وبأي سرعة، وأين نضع أنفسنا في خريطة المعرفة العالمية.


ع/ د. عادل الغيثي، رئيس الشبكة العربية للتصدي للملوثات البيئية الناشئة

نشر في موقع: الشبكة 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بيئتي BEAATY

Post Top Ad

Your Ad Spot

الصفحات